لماذا أصدر أول فتوى بقتل الايزدية؟! وفق الوثائق العثمانية الحلقة (1)

لماذا أصدر أول فتوى بقتل الايزدية؟! وفق الوثائق العثمانية

الباحث/ داود مراد ختاري ….. الحلقة (1)

مقدمة:

كان لعلماء الدين في العهد العثماني دور مهم في تأجيج الصراعات واصدار الفتاوى التي تحدد مصير الانسان البريء بالقتل والذبح والتدمير والهلاك وسبى النساء ومصادرة الاموال وإباحة الغنائم، بحجة مخالفة الشريعة الاسلامية. للايزدية حصة الاسد من تلك الفتاوى، نتيجتها حصدُ الآلاف من رؤوسهم وزهق ارواحهم وإستلاب اموالهم وممتلكاتهم التي لا تقدر بثمن، ناهيك عن هتك الاعراض وشتى انواع الفضائع الشنيعة والقسوة الشديدة التي اجبرت الكثير منهم لترك دينهم تحت سيلط التعذيب والارهاب والجوع.

ظروف صدور الفتوى:

صدرت هذه الفتاوى حينما كان السلاطين بأمس الحاجة الى نداءات علماء الدين الموالين لهم كي يتم تأجيج مشاعر المواطنين البسطاء ويقدمون أنفسهم قرابين لشهوات السلاطين ورغباتهم من اجل تقوية السلطة وتوفير المال وتخويف الناس وترويعهم وابتزازهم.

اسباب صدور الفتوى:

1- حقد بعض العلماء على الايزديين.

2- حاجة السلاطين والامراء الى تلك الفتاوى، دعم حملاتهم المعادية.

3- عدم فهم هؤلاء العلماء عقيدة الايزدية، لانهم متهمين دائماً بالضالين والملحدين.

4-الناس البسطاء من المسلمين كانوا ضحية هذه الفتاوى ايضا وتقبلوها دون تفكير.

بالرغم ان اول فتوى كانت (لمولانا صالج الهكاري) في القرن الثالث عشر حيث هاجم الايزدية وقال: انهم بستمعون الى احاديث شيخ فخر الادياني(لمقصود هو شيخ فخر بن ايزدي نمير، الذي عاش في القرن الثالث عشر الميلادي.)،ولكن يبدو ان هذه الفتوى لم تأجج مشاعر المسلمين وبقت محفوظة في مكتبته، ونسخة من المخطوطة بحوزة عبدالرحمن المزوري، وسوف أكتب عن هذه الفتوى في وقت لاحق.

ولكن فتوى الذي أصدرها مفتي الدولة الرسمي احمد بن مصطفى الملقب (أبو السعود العمادي /الآميدي 896- 982هـ)(آمد: اسم القديم لمدينة دياربكر) يقول عسكر بويك: انهُ عاش (86) سنة في عام (952 هـ) أصبح بدرجة مفتي السلطان العثماني سليمان القانوني، ثم اصبح مفتي سليمان الثاني، دعا المسلمين للجهاد وحللَ قتل الايزديين في المعركة، والمسلم الذي يقتل في المعركة مثواه الجنة، والجهاد ضد الايزدية حلال وفريضة من فرائض الدين الاسلامي، ثم دعا إلى قتل الرجال وسبى النساء والفتيات وبيعهن في اسواق المسلمين، كما كان يُتبع مع بقية الكفرة، كما يحق للمجاهدين بأخذ النساء والفتيات لهم([1]عسكر بويك، فتوى المفتي أحمد بن مصطفى، مجلة لالش، العدد(20)، دهوك 2003.).

ومن مآثرها حملة السلطان العثماني سليمان خان القانوني (1520- 1566م) سنة 1566م) في هذه الحملة صدرت فتوى بحق الايزدية أباحت فيها قتلهم علناً وبيعهم في الأسواق شرعاً، من المؤكد ان هذه الفتوى لم تصدر من قبل الدولة دون وجود اسباب أو ظروف تدعو لها، خاصة اذا علم ان السلطان كان يستصدر الفتاوى فقط حينما ينوي المباشرة بالعمليات العسكرية ضد جهة ما (د. سعدي عثمان، ص 197) ولنعود الى فتوى ابو سعود العمادي(·)((لم اتمكن من معرفة حقيقة تاريخ هذا العالم الديني هل هو آمدي من آمد أي دياربكر، أم آميدي من العمادية مركز إمارة بهدينان، لكون هناك رأيين لدى المؤرخين، ولكني أميل الى الرأي الثاني وهو انه من العمادية.

(1) لا تسعفنا القرائن فضلاَ عن النصوص التاريخية بشيء عن المراحل حياته الأولى، وبذلك فإننا نجهل تاريخ مولده، ولكن ربما استطعنا أن نستنتج أنه ولد في السنين الأولى من القرن العاشر للهجرة، فأنه تولى الحكم بعد أبيه مباشرة سنة 940هـ/ 1533 م، وهو ما يقتضي أن يكون عمره في أقل تقدير قد تجاوز آنذاك العشرين سنة، ولما كان الابن الأكبر من أخواته، وعددهم – فيما عداه – ستة، تكون ولادته قد جرت في سنوات العقد الأول من ذلك القرن، وان يكون يوم توفي أبيه في نهاية العقد الثالث من عمره، وهو مايعني أنه كان مؤهلاَ من حيث السن والخبرة والتجربة لحكم الإمارة، الأمر الذي يفسر لنا، من بعض الوجوه، قدرته على الجمع بين الدهاء السياسي والعمل العسكري في تحقيق أهدافه في توطيد سلطة الإمارة وتوسيعها منذ السنين الأولى لتوليه إياها. ينطر: الدكتور عماد عبدالسلام رؤوف (السلطان حسين الولي أمير بهدينان 1533 – 1573، اربيل 2009، ص(17).

اما عن قواته المسلحة: شكلت إمارة بهدينان في عهد السلطان حسين قوة عسكرية مرهوبة الجانب، برهنت على خطرها وحسن تنظيمها وتسليحها في العدد من المعارك التي خاضتها في بيئات مختلفة في كردستان وجنوبي العراق وإيران وغيرها.

وقدمر بنا إعجاب نصوح أفندي مطراقي زاده بقوة محدودة من هذا القوات أرسلها السلطان حسين لمعاونة السلطان سليمان القانوني في حصاره لبعض القلاع المستعصية، إذا قال أنهم “من أبطال الخيالة الملمين بأساليب القتال وألعاب الحرب، والمتميزين في أستخدام الأسلحة والمجيدين في رمي الرماح إلى درجة الأجادة والأبداع، الذين كان يشار بالبنان لدى الأمثال والأقران” ينظر: الدكتور عماد عبد السلام رؤوف (السلطان حسين الولي أمير بهدينان 1533- 1573، اربيل 2009، ص87))

.باعتبارها أول فتوى ضد الايزديين واسباب صدورها، وهنا سأعتمد على الكتابات والوثائق العثمانية المنشورة في كتابين للمؤلف الدكتور عماد عبدالسلام رؤوف (السلطان حسين الولي أمير بهدينان 1533-1573، اربيل 2009 -دراسات وثائقية في تاريخ الكرد الحديث وحضارتهم، دار الزمان للنشر، سوريا 2012) وكتب أخرى بشكل ثانوي.الايزدية الذين عاشوا في امارتين مستقلتين في عهود سابقة من زمن السلطان حسين ولي كانوا في امارتي داسن (دهوك) وشيخان ((دهوك من المدن القديمة في كوردستان العراق، ينظر: حسن جندي، دهوك، مجلة رؤناهي، العدد 7 – 8، نيسان 1961، ص 16، وكانت دهوك مركزاً لإمارة داسن والتي دامت من فترة قبل 916م الى 1236احتلها الامير البهديناني حسن بك ابن سيف الدين بك، وضمهاالى إمارة بهدينان،ينظر: انور المائي،الاكراد في بهدينان،الموصل1961، ص 120.))، لكن حينما استولى الامير البهديناني حسن بك على امارة داسن في دهوك وقتل من قتل وتشرد البقية مع قراها الى إمارة شيخان، فظهرت عداوة بين الايزدية وإمارة بهدينان، وتسببت في عدم الاستقرار الامني في المنطقة، وبقت هذه الفوضى الى عهد إبنه السلطان حسين المولى، أدت الفوضى السياسية والأمنية التي عاشتها البلاد في القرنين الثامن والتاسع للهجرة (الرابع عشر والخامس عشر للميلاد) إلى انشعال القوى المحلية وهي قبائل وزعامات دينية، في صراعات مسلحة مستمرة أثرت في الحياة الاقتصادية تأثيراَ بليغاَ، وذلك من حيث تهديدها طرق الموصلات التجارية، وتخريبها للنشاط الزراعي القروي. وكان من نتائج هذه الفوضى أن انتشرت عصابات قطع الطرق، وسادت ظاهرة فرض الأوات على الفلاحين والتعرض للنشاطات المدنية. ونتيجة وضع كهذا، فقد شهدت الحقبة ظاهرة التفاف عدد من العشائير الصغيرة حول زعامة دينية قوية، لها تقاليدها الروحية والجتماعية الخاصة، هي اليزيدية، كانت تتخذ من منطقة الشيخان مرتكزاً لها، وتمتد لتشمل القرى الواقعة في السفوح جبل داسني (داسن)، حتي تصل إلى جنوب مدينة دهوك((الدكتور عماد عبدالسلام رؤوف ،السلطان حسين الولي أمير بهدينان 15ر33 – 1573، اربيل 2009، ص 25)).

السلطان حسن الولي أمير بهدينان ستراتيجية إمارة بهدينان في عهده:

كان الأمير حسن بك قد أدار ظهر إمارته للصفويين، بعد أن حصل على دعمهم في توسعتها، ثم اصطف مع الأمراء الكرد الأخرين في موقفهم المناوئ للدولة الصفوية، فاتبع السلطان حسين هذه السياسة بحذافيرها وأظهر، منذ توليه السلطة، حكمة ملحوظة في اتخاذ الوسائل العسكرية والسلمية معاَ لتحقيق سياسته الأعلى، المتمثلة في توطيد سيادة إمارته في الداخل، والحافظ على علاقات جيدة مع الدولة العثمانية في الخارج. وفي الواقع فإنه في الصعب فهم إجراءات العديدة التي اتخذها في خلال مدة حكمه البالغة أربعة عقود من السنين، إلا إذا وضعناها في هذا الإطار. ووفقاَ لمبدأ أن الحرية هي فهم الضرورة، فقد أدرك بعمق ان حريته في أتخاذ قرارته العسكرية لا تحقق إلا من خلال وضعها في إطار لا يتعارض مع ضرورات الستراتيجية العامة للدولة العثمانية. وقد استثمر ما حققه والده الأمير حسن من علاقات وطيدة مع السلطان سليمان القانوني، فبدأ بعملية توطيد حكمه في الداخل، ((ينظر:الدكتور عماد عبدالسلام رؤوف (السلطان حسين الولي أمير بهدينان 1533-1573، اربيل 2009، ص(21))).

وفي القرن الثامن للهجرة (الرابع عشر للميلاد) أخذت زعامة العشائر التي سكنت في السفوح جبل داسني، والتي عرفت بالداسنية ((وردت أولى الأشارات إلى جبل داسن وأهله في عمليات الفتح الأسلامي للمنطقة، قال ياقوت”داسن اسم جبل عظيم في شمالي الموصل من جانب دجلة الشرقي فيه خلق كثير من طوائف الأكراد يقال لهم الداسنية” ويذهب الدكتور زرار صديق إلى بلدة داسن هي بلدة أتروش الحالية كما لايستبعد أن تكون مدينة دهوك. بحثه: بادينان في كتابات الرحالة والبلدنيين المسلمين، مجلة دهوك عدد 2 كانون الثاني، ص 89-94.)) ، بتزعم قبائل اليزيدية عامة، و أصبحت لها قلاع حصنية في مناطق الموصل وسنجار ودهوك ودياربكر وجبالها ((عدنان زيان فرحان: الكرد الإيزيديون في أقليم كردستان السلمانية 2004ص214-215.)). ووجد الداسنيون في القرن العاشر للهجرة (السادس عشر للميلاد) مجالاَ للإنتشار من مناطقهم هذه، إلى حوالي منطقة الموصل وباتجاه سهل إربل، و هو ما شكل خطراَ حقيقياَ لا يهدد أمن الموصل وإربل فحسب، وانما يهدد أمن إمارة بهدينان نفسها، ذلك أن توسع الداسنية لم يكن يتخذ شكلاَ منظماَ له نطاقه السياسي وحدوده، وإنما كان يمثل انتشاراَ فوضوياَ قوامه قوي رعوية غير مستقرة، وجدت فرصتها في الانقاض على المناطق المجاورة لها، وايقاع الخسائر الفادحة والمفاجئة، بالقرى والمدن و الفلاحين على حد سواء. وكان ذلك الانتشار يجري غير بعيد عن أراضي الأمارة فجبل داسن، معقل هؤلاء كان قريبا من دهوك البلدة المهمة الثالثة في الإمارة بعد العمادية وعقرة. والسيطرة على قرى سهل الموصل، ثم الامتداد نحو عقره، و نحو سهل أربل، كان يعني تطويق الإمارة بشل حركة القوافل بينهما وبين الأقاليم التي ترتبط بها بمصالح اقتصادية حيوية.

وزاد من خطورة الأوضاع انحياز الدولة العثمانية لهذه القوة الجديدة وسبب ذلك الانحياز وقوف الداسنية ضد الإمارة السورانية التي مدت ذراعها آنذاك لتشمل اربل وما حولها من جبال وسهول، وموقف أميرها عزالدين شير المعادي للعثمانيين على ما تقدم بنا. وبدا للسلطان سليمان القانوني ان الاعتماد على الخصوم التاريخيين للأمير السوراني سيوفر للسلطات العثمانية فرصة محاصرته في جباله، ثم الإطاحة به فيما بعد، ولذا فقد عزز نفوذ الداسنيين بأن عين حسين بك الداسني أميراَ حاكماَ على إربل، على الرغم من انه لم يكن يخظ بتابيد سكانها، و بهذا أصبح الداسنيون يسيطرون على منطقة تمتد من دهوك غرباَ الى اربل شرقاَ، ويتحكمون في كل طرق الموصلات التي تصل بين الموصل وسهاها من جهة وبين دواخل إمارة بهدينان من جهة، وبين عقرة، وهي البلدة الأهم في الإمارة، وسهل اربل الفسيح بامتداداته التي تصله بأنحاء العراق الأخرى((الدكتور عماد عبدالسلام، الموصل في العهد العثماني، فترة الحكم المحلي، النجف 1975 ص 172 – 173.)).

قد ترغب أن تقرأ هذه المواضيع أيضاً !

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *