لماذا أصدرت أول فتوى بقتل الايزدية؟! وفق الوثائق العثمانية. الحلقة (2)

داود موراد خةتارى

الباحث/ داود مراد ختاري ….. الحلقة (2)

السيطرة على إمارة سوران:

أدرك السلطان حسين أن مصلحة الدولة العثمانية جاءت متوافقة في تلك اللحظة التاريخية مع مصلحة إمارة، أو مع أستقرارها الأمني والسياسي، فقرر الإفادة من ذلك التوافق في التخلص من القوى التي كانت تشكل مصدر قلق دائم فيها، والتي طالما عاثت بالامن هناك. وقد أدرك و هو يخطط لهذا الهدف أن تحركا عسكريا يقوم به ينبغي أولاَ أن يجد له غطاء سياسيا مناسبا يتمثل بالحصول على موافقة مطلقة من السلطان العثماني على ما سيقوم به من الأجراءت تفرضها عليه ظروف الصراع و متطلباته، ومن هنا شرع وهو يراقب الأحدث بدقة، بكتابة التقارير المفصلة إلى السلطان حول الأخطار المتمثلة في تنامي قوة الداسنيين وسيطرتهم على مناطق واسعة، لا سيما على إربل و نواحيها. و من غير المحدد لنا التسلسل التاريخي للحوادث السريعة التي مرت بها توازنات القوي بين السلطان حسين من جهة، وزعامة الداسنية المتمثلة بالامير حسين الداسني و إمارة سوران بقيادة عزالدين بن سليمان بك عزالدين شير من جهة أخرى ((الدكتور عماد عبدالسلام رؤوف (السلطان حسين الولي أمير بهدينان 1533 – 1573، ص 27.)).

وعلى أية حال فإن الشرفنامة تذكر أن السلطان سليمان القانوني عين حسين بك الداسني أميراَ على الحكومة إربل، ثم وسع منطقة سلطته لتشمل ولاية سوران كلها، بيد أن الأمير السوراني سيف الدين بن مير حسين بن بير بوداق استطاع بمن التف حوله من عشائر منطقة سهران (سوران) أن يلحق خسائر فادحة بالأمير الداسني ومقاتليه، فأعاد بذلك حكم أسرته من جديد، وعبثاَ حاول حسين الداسني أن يستعيد ما ولاه السلطان، وأخيراَ استدعي إلى استانبول حيث لم يجد فيها إلا عقوبة الاعدام.

وبدل أن يستقر السلطات العثماني سيف الدين في ملك آبائه، كما كان متوقعاَ، فإنه أمر السلطان حسين، أمير بهدينان بقيادة “سائر أمراء الكردستان” للزحف على سيف الدين والقضاء عليه، ولم يتبين دور الأمير البهديناني في مسألة التخلص من الأمير المذكور، والراجع أن الأمر لم يعدو أن يكون بمشورة منه، أو بتأثير تقارير كان يبعث بها السلطان العثماني حول نزاعات تجري بين السورانيين الإمارة الناشئة القوية و عشيرة زرزا التي فقدت إمارته((نشأت هذه الإمارة منذ أواسط العصر العباسي، في المنطقة الجبلية في شرقي إربل، أسسها أمراء قبيلة الزرارية ولبثت قائمة حتي القرن التاسع للهجرة (الخامس عشر ميلاد). ينضر زرار صديق كردستان في القرن الثامن الهجري ص 168- 170.))

وجاء في دفتر مهمة رقم 17 ص 13: فدخلت في ضمن تحالف القبائل السورانية، التي كان بعض فروعها يقيم بين إمارتي بهدينان و سوران. و كانت هذه العشيرة تعيش انقساماَ بين زعيمين لهما، ففي وثيقة مؤرخة في سلخ محرم 979هـ/1571م ((رؤوف، السلطان حسين الولي، ص 28)). نقرأ أن أمراَ صدر أمير أمراء بغداد جاء فيه أن “حاكم العمادية سلطان حسين بك دامت معالية” أرسل كتاباَ إلى السلطات يشرح فيه “أحوال كردستان و أوضاعها” وتناول فيه “النزاع القائم بين الأميرين عمر وزينل من أمراء طائفة زرزا و عداوتهما المستحكمة القديمة ((كذا في شرفنامة ص 269 وفي الوثيقة المشار إليها (زازا).)).

وفي دفتر مهمة رقم 42 ص 313: وقد نص الحكم على قيام أمير أمراء بغداد بدعوتهما إلى الحضور عنده و العمل من أجل التوفيق و الإصلاح بينهما. وواضح أن السلطان حسين كان يتهم الامير سيف الدين بأنه هو الذي يقف وراء هذه المشكلة ففي الوثيقة المؤرخة في غرة ذي الحجة 988هـ 1580م ((رؤوف، السلطان حسين الولي، ص 29.)) نجد أمراَ موجهاَ إلى أمير أمراء شهرزول و إلى حاكم العمادية جاء فيه أن أمير سهران (سوران) الذي تسميه الوثيقة “الأمير سيف الدين بن سهراني حسين” كان “يتسبب في وقوع فتنة و فساد بين عشيرتي سهراني وزرزا” ولما لم تستطيع القوات المسلحة أن تنهي هذه المشكلة، نجحت الوسائل الدبلوماسية في ذلك فقد أقنع أمير برادوست يوسف بك سيف الدين بالمثول أمام السلطان “ليغض النظر عما بدر منه” ولكنه ما أن وصل إلى استانبول حتى أعدم. وبمقترح من أمير بهدينان أو بمساع بذلها تم استدعاء أحد الأمراء السورانيين واسمه قلي بك، ليعين أميراَ على حرير، إحدى مقاطعات سوران، فدام حكمه فيها مدة طويلة بلغت عشرين سنة، كان الأمير البهديناني حليفاَ وسانداَ له مما يكشف عن دور خفي للأخير في دفع الأمور بهذا الاتجاه. التزم السلطان حسين أمير بهدينان بدوره في مساندة قلي بك و يظهر أنه كان له حلفاء بين أبنائه أيضاَ، إذ ما أن توفي قلي بك، ودب الصراع بين ولديه: قباد بك وسليمان بك، حتى وجدنا السلطان حسين يؤيد بوداق، ساعياَ إلى تعيينه أميراَ على إمارته، إلا أن الموت عاجل الأخير فلم يتحقق ذلك المسعى. ولم يتوضع لنا موقف أمير بهدينان من خلفه سليمان بك((شرفخان البدليسي، شرفنامه ترجمة محمد علي عوني، دار الزمان، ج1، ط2، دار الزمان دمشق 2006، ص 137.)).

تصفية نفوذ الداسنيين:

وعلى أية حال، أصبح السلطان حسين القوة الوحيدة ليس في بهدينان وحدها، وإنما في سوران أيضاَ. وشرع من موقعه هذا تصفية نفوذ الداسنيين في أربل والموصل فضلاَ عن بهدينان نفسها. ولم تكن مصادفة أن يصدر شيخ الإسلام في الدولة العثمانية، في ذلك التاريخ، فتواه بتقكير اليزيدية وجواز قتلهم فشيخ الإسلام هذا كان العلامة المفسر أبو السعود العمادي (898 – 981هـ/1492 – 1573م) وهو أصلا من أهل العمادية عاصمة السلطان حسين.

وأول وثيقة لها تعلق بهذا تاريخها 22 صفر 976 هـ/1568م ((دفتر مهمة 7 ص 706.)) اي بعد ثلاثة عقود على توليه الحكم، وهذه الوثيقة تتضمن حكماَ موجهاَ إلى أمير أمراء (بالاصطلاح العثماني: مير ميران) بغداد يتعلق “بكتاب ورد الى السلطان من حاكم العمادية سلطان حسين بك دام معالية يتعرض فيه الى ما كان ينسب إلى “طائفة اليزيدية” من “فساد وشقاوة” و “إن أكثرم لصوص و حرامية و قطاع طرق” ويلتمس من السلطان اصدار “حكم شريف بتهجيرهم من القرية التي يكنونها في الموصل إلى جهة أخرى دفعاَ لشرورهم ومضراتهم عن العباد وإصلاحاَ لهم” وقد نص على إسعاف طلبه.

ولا تكشف الوثيقة عن الأسباب الحقيقة وراء طلب السلطان حسين هذا ـ ومن الواضح أن أسباب الصراع كما يوضحها طلب الأمير البهديناني لم تكن دينية، وإنما كانت تتعلق بما تذكره عن تهديدهم للأمن في المنطقة ولاسيما طرق الموصلات التي كان أمنها الشاغل الرئيس للتجار في ذلك العصر. والإشارة إلى أن من الضرورة تهجيرهم من “القرية التي يسكنونها في الموصل” تشير إالى أمرين معاَ أولهما أن أمير بهدينان قد وصل في صراعه مع الداسنيين شملت الموصل واربل، بدلالة أن السلطان استجاب إلى طلبه في ذلك((عماد عبدالسلام رؤوف، دراسات وثائقية في تاريخ الكرد الحديث، دار الزمان، سوريا 2012، ص 194.)).

وفي دفتر مهمة 7 ص 749: يظهر أن الصراع الجانبين لم ينته إلا بعد مدة، إذ تقدم وثيقة تالية، تاريخها ربيع الاول 976هـ/1568 م((رؤوف، السلطان حسين الولي، ص 31.)) حكماَ موجهاَ إلى حاكم العمادية “سلطان حسين بك دامت معالية” يتعلق بكتاب ورد منه إلى السلطان يذكر فيه “فساد وشقاوة طائفة داسني”. وواضح من هذه الوثيقة هي الأخرى، أنها لا تتحدث عن خلافات دينية أو عقائدية، و إنما عن مشاكل أمنية بحتة، على نحو ما جاء في الوثيقة السابقة، وقد نص الحكم “على القبض اللصوص و الحرامية من اية طائفة كانوا و إجراء ما يلزم وفق الشرع الشريف، كما توجيه حكم مماثل حكم مماثل الى كل من من أميري الموصل و أربل”. والعبارة “من أية طائفة كانوا” يؤكد أنه لا يجوز معاقبة الناس على وفق عقيدتهم، و أنما بسبب مايرتكبونه من أعمال تهدد صفو الأمن، دونما التفات إلى هويتهم الدينية أو الطائفية، إن كانوا من الداسنية أو من المسلمين أنفسهم.

قد ترغب أن تقرأ هذه المواضيع أيضاً !

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *