لماذا صدرت أول فتوى بقتل الايزدية؟! وفق الوثائق العثمانية الحلقة (3) والاخيرة

لماذا صدرت أول فتوى بقتل الايزدية؟! وفق الوثائق العثمانية الحلقة (3) والاخيرة

الباحث/ داود مراد ختاري .الحلقة (3) والاخيرة

وجاء في دفتر مهمة 17 ص 2: ولا ندري على وجه اليقين ما هية الإجراءات التي اتخذها أولئك الحكام ازاء مشكلة الداسنيين، وواضح أن هذه المشكلة ضلت قائمة، بدلالة أن أمير العمادية السلطان حسين بك ظلت قائمة، وظل يكتب الشكاوي بشأنهم إلى السلطان العثماني، فمن تلك الشكاوي ما تضمنته الوثيقة المؤرخة في 25 محرم 979 هـ 1571م((رؤوف، السلطان حسين الولي، ص 23 دفتر مهمة 17 ص 2.))حيث جاء فيها أن حكماَ موجهاَ “الى حاكم العمادية سلطان حسين بك يتعلق بكتاب ورد منه إلى السلطان يذكر فيه فساد طائفتي داسني وشيخان وشقاوتهما في كل الجزيرة والموصل والعمادية وأربيل ولايمكن القبض على أهل الفساد والشناعة منهم إلا بالتعاون بين أمراء هذه الألوية” وجاء فيه أنه “تم توجيه أحكام شريفة إالى أمراء الألوية المذكورة بالقبض على المفسدين منهم و تسليمهم إليه لمحاكمتهم و إجراء ما يلزم وفق الشرع الحنيف كما نص الحكم على عدم التعرض للأبرياء من هاتين الطائيفتين”(( عماد عبدالسلام رؤوف، دراسات وثائقية في تاريخ الكرد الحديث، دار الزمان، سوريا 2012، ص 194و195.)). بيد أن تفاقم المشكلة الأمنية هذه، وتهدد طرق الموصلات بسببها، وكثرة الهجمات المسلحة على القرى الآمنة، دفع بالسلطة الحاكمة في الإمارة إلى البحث عن مبررات أخرى للقضاء على قوى الداسنية، بل والسعى من أجل تهجيرهم من بعض قراهم. ويبرز العامل الديني جلياَ في الوثيقة المؤرخة في 16 ربيع الأول 980 هـ/ 1572م((دفتر مهمة 19 ص 215.)) فهي تتضمن حكماَ موجهاَ إالى أمير أمراء بغداد جاء فيه “أنه وصلت إلى السلطان رسائل من حكام العمادية سلطان حسين بك وأمير أمراء شهرزول السابق أحمد دام إقباله وقاضي آمد مولانا حسين دام فضله” تشير إالى اختلاف طائفتي داسني وشيخان في عقائدهم وممارساتهم عن سائر المسلمين.

والذي نراه أن هذه الإضافة الخطيرة جاءت في رسالة قاضي آمد، وهي اليوم مدينة دياربكر، (مولانا حسين) تحديداَ، وذلك لخلو رسائل الأمير البهديناني السابقة من أية إشارة إلى هذا الأمر، واقتصارها على جانب الأمني من المشكلة، وكون حسين هذا قاضياَ يفسر إثارته للجانب الديني منها. وتتضمن الوثيقة معلومة مهمة عن الحدوث اشتباكات مع ما تسميهم “عصابة المفسد عزالدين” ولم تتحدد هوية عزالدين هذا.

وإشارة الوثيقة إلى قدوم أتباع هذه الطائفة”من الداسنيين و الشيخان” من نواحي الجزيرة و الشام و حلب و أربل، تدل على سعة انتشار أتباعها في تلك البلاد في ذلك العصر، أعني القرن العاشر للهجرة (السادس عشر ميلاد) ومن المهم القول أن الوثيقة تكشف، ولأول مرة، عن قيام السلطان العثمانية بتدمير قبر الشيخ عادي “وإزالة جميع آثاره” وفي وقت سبق تحرير الوثيقة، بناء على فتوى أصدرها جمع من العلماء((عماد عبدالسلام رؤوف، دراسات وثائقية في تاريخ الكرد الحديث، دار الزمان، سوريا 2012، ص 195.)).

ويظهر أن خطورة هذه القضية واتساع نطاق ما تستدعيه من حركات عسكرية أدت إلى أت يتضمن الأمر توجيه حكم مماثل إالى أمير الموصل وأمير أربل للقيام بحملات لتحقيق الهدف نفسه. ومن المؤسف أن الوثيقة المؤرخة في 19 جمادي الأولى سنة 967 هـ/1559 م((دفتر مهمة 3 ص 265)) حكماَ موجهاَ إلى السلطان حسين بك يأمره باستنفار قواته العسكرية ووضعها على أهبة الإستعداد “انتظار لورود حكم شريف يعمل بموجبة” و يخبره بأن أحكاماَ مماثلة صدرت إلى أمراء دياربكر وغيره من بعض أمراء الأمراء وهو في انتظار ما سيصل إليهم من تعليمات من السلطان ليعلموا بموجبها”وقد أنعم عليه السلطان بخلعة فاخرة و سيف مرصع أيضاَ تكريماَ له” بيد الأمر لم يتضمن أية إشارة إلى طبيعة المهمة التي تنتظره، إن كانت تتعلق بقضية الداسنية أم لا.

وتكشف وثائق تالية عن الهلع الذي أصاي أهل أربل نتيجة حركات الداسنية المسلحة التي وصلت إلى نواحي لوائهم، والدور الذي اضطلع به أمراؤهم في دفع خطر تلك حركات، ففي الوثيقة 26 جمادي الآخرة 980 هـ 1572م((دفتر مهمة 19 ص 294.)) نقرأ أن “الحكم موجه إلى أمير أمراء شهرزول وقاضيها”يتعلق بالداسنية الذي “يتعدون على الناس ويسطون على المطاحن في أربل”ويقول “إذا لم يتم القضاء فسيستفحل أمرها” وقد نص الحكم على “القبض عليهم ومحاكمتهم والحكم عليهم وفق الشرع الشريف وإجراء ما يلزم” ولا نعلم طبيعة ما قام به أمير اربل من إجراءات في هذا الصدد، إلا أن من الواضح أن الخوف من الداسنية ظل يؤرق السكان لسنوات أخرى حيث تذكر الوثيقة المؤرخة في 20 ذي القعدة 984 هـ/1576 م((دفتر مهمة 29 ص 117)) ان حكماَ وجه إلى أمير لواء اربل “يتعلق بفساد طائفة داسني و شقاوتها” وقد تضمن الحكم تعليمات تنص على إجراء “تحقيق في أمر هذه الطائفة ف” وقد تضمن الحكم تعليمات تنص على إجراء “تحقيق في أمر هذه الطائفة فإن كانت على الفساد والشقاوة وجب القبض على الأشيقاء المخربين منهم دون التعرض للأبرياء وإجراء ما يلزم وفق الشرع الشريف” ومثل هذا ما نقرأه في الوثيقة المؤرخة في 16 ربيع الأول 980 هـ/1572ما ((دفتر مهمة 19 ص 212))، من أن حكما وجه إلى أمير أمراء بغداد جاء فيه “أن السلطان حسين حاكم العمادية أرسل كتاباَ إلى السلطان يكر فيه الشقي المعروف بالشيخ عزالدين وابنه بركات كانا مقيمين في قرية باقرا التي هي في تصرف ابنه بهرام – دام عزه – فتم اخراجهما من القرية المذكورة بناء على شقاوتهما وفسادتهما، فأقاما في قرية أخرى غير تابعة له، وظلا يتابعان أعمالهما التخريبة من الاعتداء على الناس بقتل الأنفس و نهب الأموال” وقد نص الحكم على “العمل الجاد و التعاون والمثمر من أجل القضاء على المفسد المزبور وإراحة البلاد والعباد من شروره ومفاسده”، ولم نجد بين ايدينا ما يوضح هوية الشقي عزالدين وابنه بركات، إلا أن الوثيقة المؤرخة في 10 جمادي الأولى 982هـ/1574 م((دفتر

مهمة 26ص 193)) تشير إلى أنهما من زعماء اليزيدية في تللك الأنحاء((عماد عبدالسلام رؤوف، دراسات وثائقية في تاريخ الكرد الحديث، دار الزمان، سوريا 2012، ص197.))، وقد أصدر حكم شريف في القضاء عليهم فتم بموجبه قتالهم وقتل بعضهم وتمكن الاخرون من الهرب، ولا يزال الشيخ بركات يمارس اعماله التخريبية بمن لديه من الاشقياء اللصوص في نواحي الموصل وأربيل كما التمس حاكم العمادية في كتابه من السلطان عدم توجيه مقاطعة لأحد منهم، كما نص على مطاردة المجرمين منهم والقبض عليهم واجراء ما يلزم في حقهم وفق الشرع الحنيف دون التعرض للأبرياء، وهنا لابد من القول بان قباد بك ورث هذه المشكلة من عهد ابيه السلطان حسين((عماد عبدالسلام رؤوف، دراسات وثائقية في تاريخ الكرد الحديث، دار الزمان، سوريا 2012، ص 200)).

وهكذا تمكن السلطان حسين من وراء هذه العمليات السياسية والعسكرية تحقيق عدة نتائج أهمها:

1- فرض سيطرته على أربل المركز الحضري الأهم في إمارة سوران القبيلة الريفية.

2- إيجاد حلفاء له داخل البيت السوراني الحاكم، جعل من إمارتهم تبدو و كأنها (محمية) بهدينانية.

3- الهيمنة على أراض واسعة من إمارة سوران، وراء نهر الزاب الأعلى مما يجعلها مجالاَ حيويا لإمارته، ومنطقة عازلة بينه وبسن القوى والزعامات القبيلة المجارورة.

4- تأمين سلامة القرى والطرق التجارية بين الأمارة الإيالات العثمانية الأخرى واهمها إيالة الموصل، وإيالة بغداد والضهور من م بمضهر الأمير القادر على حماية شعبة والإبقاء على طرق مواصلات سالكة بين إمارته وأقاليم الدولة الأخرى؟

5- إن الحرب التي أعلنها على الداسنية، و استصداره للفتوى بشأنهم منحه الفرصة لأن يظهر بمظهر المجاهد التقي، الذي يدافع عن قيم دينية مجردة ولا نشك في شهرته بلقب (الوالي) تعود، في بعض أسبابها، إلى ما قام به في هذا المجال.

ويلقي الباحث مصاص ضوءاَ على تنظيم القوات التابعة للإمارة فهي قد “جعلت من عشيرة المزورية فوجاَ، ومن الدوسكية فوجاَ والريكان فوجاَ، والفوج يقسم إالى بلوكات (سرايا) وكانت البروارية حرساَ خاصاَ للأمير في حلة وترحالة …(( شرفنامه ص 137)) بيد أننا لا نستطيع أن نحدد الحقبة التي استقر فيها هذا التنظيم إن كان في عهد السلطان أم في حقب تالية، كما أن الباحث لم يذكر مصدره فيما ذكر.

قد ترغب أن تقرأ هذه المواضيع أيضاً !

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *